بسم الله.
قرأتُ في كتاب أدب الكاتب لابن قتيبة عبارة «الناس أخياف» وقوله فيها إنّ الناس مختلفون وأصل «الخيْف» أن تكون إحدى عيني الفرس سوداء والأخرى زرقاء.
والناس أخيافٌ لا محالة. أخيافٌ في ألوانهم؛ فمنهم الأبيض والأسود والأحمر والأشقر. أخيافٌ في طبائعهم ففيهم الحقود كالجمل وفيهم الشريف كالخيل، وارجع إلى كلام ابن القيم في تفاوت طباع البشر على طباع الحيوانات. الناس أخيافٌ في أذواقهم فمِنهم مَن ذوقه رفيع ومَن ذوقه وضيع.
والخلاف ليس في اختلاف الناس في ألوانهم وألسنتهم، وأما الخلاف فيمن يحارب من اختلف عنه لمجرد أنه مختلف؛ فكَم مِن بلدٍ عظيمٍ حارب أبيضُهم أسودَهم. الاختلاف الجِبلّي ليس مسوغًا لأحاربَك فلَم تخلقْ نفسَكَ بنفسِك أسودًا أو قزمًا أو مقطوع الأطراف. واختلاف الطباع ليس مسوغًا لإباحة عرضِك حتى وإن كان طبعُك لئيمًا فيكفيني نصحك أو هجرك إلا إنْ اعتديتَ عليَّ فعليَّ دفعك. حتى اختلاف المِلَل لا يبيح الدمَ مثلًا إلا بحق.
وإن كان الاختلاف مقبولًا لأنه سُنَّة كونية في دنيا الناس، فالخلاف ليس محمودًا دائمًا، فمِن الناس مَن يروِّج أن الخلاف رحمة، وهذا نقيض كلام الخالق «… وَلَا یَزَالُونَ مُخۡتَلِفِینَ (١١٨) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ … (١١٩)» سُورَةُ هُود. فالخلاف ذاته ليس رحمةً وإنما الرحمة في رد الخلاف إلى مرجع واحد يصيب ولا يخطئ فيتآلف الناس. ولكن أنَّى لنا هذا في هذه الدار؟! ولذلك خلقنا الله ليبتلينا، فكثير من الناس يحيا ليؤجِّج الخلاف وينبذ الاختلاف، والله المستعان.
🖊️كتبتُه الثلاثاء 15 شعبان 1447 هـ.
