الصورة البارزة لمقالة Comfort zone بقلم الترجمان علي سعد

بسم الله.

أراك متعجبًا، وأسمعك متمتمًا: «ما هذا الهراء يا أستاذ عليّ؟»

نعم عنوانٌ عجيب لهذه التدوينة، وقد عجبتُ قبلك لمَّا رأيتُ رجلًا يذم «الكونفرت زون» في تعليقه على أحد المنشورات مستخدمًا هذه النقحرة للكلمة الإنكليزية، ثم ظننت أنها زلة قلم فهو يقصد  Comfort Zone.

والحقُّ أقول لم أَجِئْ إليك في هذه التدوينة لأحدِّثك عن ترجمة العبارة أو تعريبها أو نقحرتها، ولكني جِئتُك لأقولَ لك: إن كنت في هذه «الزون» التي يصورونها لك سجنًا «كُنْ» كما أنت ماكثًا فيها مطمئنًّا ولا تدعها.

ما دفعني لكتابة هذه الكلمات أثرٌ قرأته منسوبٌ إلى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – إذ قال:

مَنْ بُورِك له في شيءٍ فليلزمه.

وعلَّقَ الشيخ الصالح ابن عثيمين – رحمه الله – على هذه المقالة قائلًا:

وهذا يشمل كل أعمالك الحياتية، سواء في طلب العلم أو في سكن في بيت أو في زواج من امرأة، أو في سيارة، أو أي شيء ما دمت ترى أن الله قد بارك لك في هذا الشيء فالزمه، ولا تنتقل لأن التنقلات مضيعةً للوقت، وهدمٌ لما مضى، ولهذا تجد الإنسان الذي لا يستقر على حال يضيع عليه الوقت وينقضي.

قلت:

نعم وهذا مُشاهَد في دنيانا الآن.

فكَمَ من دعوةٍ عشواء إلى ترك العامل عمَلَه، والشروع في تجارةٍ خاصة بحجة «الكُمفُرت زُون»، وكأن على الناس أن يصيروا جميعًا أرباب أعمال دون عُمَّال، فأنَّى لتجاراتهم الربح؟!

وكم من دعاة قد أضلُّوا أطباءَ وصيادلةً مثلًا لهجر مهنتهم والتربُّح بالترجمة الطبية بحجة «الكُمفُرت زُون».

وكم من دعايةٍ خادعةٍ إلى استبدال جوالٍّ جديدٍ بجوّالك المسكين الذي لم يمرُّ عليه عامُ الضّمَان، أو استبدالك «الآيفون» بهاتف «الأندرويد» ثم تعض الأنامل من الغيظ على ما فرطَّت فيه، والحجة كانت «الكُمفُرت زُون».

وكم مَنْ دَعَته نفسُه دون شهوةٍ مُلِحَّةٍ أو مضرَّةٍ جليَّةٍ إلى الزواج من ثانيةٍ، فأفسد عيشه وعيش أهله لأنه لم يرض «بالكُمفُرت زُون».

وقد قال ابن الجوزي في هذا المقام مقالًا بديعًا:

وتأملت على الآدمي حالة عجيبة، وهو أن تكون معه امرأةٌ لا بأس بها، إلَّا أنّ قلبه لا يتعلق بمحبَّتها تعلُّقًا يلتَذُّ به، ولذلك سببان:

أحدهما: أن تكون غير غايةٍ في الحُسن.

والثاني: أن كل مملوكٍ مكروهٌ، والنَّفسُ تطلب ما لا تقدر عليه.

فتراه يضِجُّ ويشتهي شيئًا يحبه، أو امرأةً يعشقها، ولا يدري أنه إنَّما يطلب قيدًا وثيقًا، يمنع القلبَ من التصرف في أمور الآخرة، أو في أيِّ علمٍ أو عملٍ، ويخبِّطُه في تصريف الدنيا، فيبقى ذلك العاشق أسير المعشوق، همُّه كله معه، فالعجب لمُطلَق يُؤْثِر القَيدَ ومُستريحٍ يُؤْثِر التَّعبَ!

[…]

فليتق اللهَ مَن عنده امرأة لا بأس بها، وليُعرِض عن حديث النَّفس ومُناها، فما له منتهى، ولو حصل له غرضه كما يريد وقع الملل، وطلب ثالثةً، ثم يقع الملل، ويطلب رابعةً، وما لهذا آخر؛ إنما يفيده ذلك في العاجلة تعلُّق قلبه، وأَسْرَ لُبِّه، فيبقى كالمبهوت، فِكْرُه كله في تحصيل ما يريد محبوبُه، فإن جرت فرقةٌ أو آفةٌ، فتلك الحسرات الدائمة إن بقي، أو التلف عاجلًا.

وأين المستحسَن المَصُون الدِّين القنوع بمن يحبه؟! هذا أقلُّ من الكِبريت الأحمر، فلينظر في تحصيل ما يجمع معظم الهمِّ، ولا يلتفت إلى سواد الهوى وغايةِ المُنى، يسلم.


لم أكتُب ذلك لأحبِطَ همَّتَك ولا لأُضعِف عزيمتَك ولا لأقطع طريقًا تلتمس فيه خيرًا، ولكن لأُعمِلَ عقلَك وأُسكِنَ نَفْسَك. فتمهَّلْ – رعاك اللهُ – ولا تركض خلف كل داعٍ يسوِّل لك أن تهجر بُقعتَك التي سكنت إليها وبُورِك لك فيها، دون تفكير وتدبير وموازنة المصالح والمفاسد، ألهمَك اللهُ الرشاد وطريقَ السّداد.

والسلام.

اشترِكْ في نشرة الدفتر
عندما أُسطِّر صفحةً جديدةً ستصل إلى بريدك الإلكتروني فورًا.

من علي سعد

ترجمان - هاوي كتابة - متعلِّم على سبيل النجاة

لا توجد أراء حول “كُنْ فُرْت زُون!”
  1. مبارك الإنتقال إلى دفتري🌷أسأل الله أن ينفعنا بك، وينفعك بعلمك، ويبارك في وقتك وجهدك يا أستاذي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *