طلع علينا الأعاجم العام الماضي باصطلاحٍ جديد، وتلقَّوْه العرب الجُدُد بألسنتهم وترجموه إلى «تعفُّن الدماغ» متبعين الدارجة الإنكليزية الجديدة Brain Rot. ولكني لمَّا سمعتُ بهذا الكلام استحضرَت أُذُني عبارةَ «فساد العقل» فهي أقرب إلى لساني كقربها إلى أُذُني.
والقوم الذين أفسد الكثيرُ منهم عقولنا هُمْ هُمُ القوم الذين أحدثوا هذا التعبير. وقد قُلتُ في خاطرةٍ سابقةٍ إنَّ في محل العقل خلافًا، وقد أخذتُ بترجيح أن محله الدماغ.
وبعيدًا عن الخلافات والمشاحة في المصطلحات، فما الذي يفسد العقلَ؟ وكيف نصلح ما فسد منه؟
قد ترى أن ما يفسد عقلي هو عين صلاح عقلك، ولكن مما خَبَرتُه في حياتي ورأيته بعينيّ رأسي وسطَّرَته أقلامُ من سلف وصدَّقَته علوم من خَلَف أن مِن مفسدات العقل:
- رزالة المكتوب 📝
- وسفالة المرئي 📺
- وحقارة المسموع 🎧
ومن رزالة المكتوب تعريف الماء بالماء حتى ضُرِبَت أبيات في ذلك مثلًا لرزالة الكلام وسخافته، ولو قابلتها بكتابات اليوم لضربتها مثلًا في الجزالة والرزانة.
كأننا والماء مِن حولِنا … قوم جلوس حولهم ماء
وقِس على المكتوب المرئيَّ والمسموعَ، فحدِّث ولا حرج عما تستحي العين البصيرة من رؤيته والأُذُن الواعية من سماعه.
ولا أجدُ لإصلاح العقل المُفسَد سبيلًا إلا عقد العزم وصدق القصد على:
- هجر أماكن هذه المفسدات وأولها مواقع التحاسد والتناجش والتباغض والتدابر، وإزالة تطبيقاتها من الجوالات
- والعودة إلى الأخذ عن الكبار دون الصغار
- ومطالعة المصنفات الطوال من المكتوبات والمرئيات والمسموعات دون القصار
لعلنا نستدرك ما ضاع من الأعمار ونستصلح ما فسد من العقول. والله المستعان.

الله، والله أبدعت أستاذ علي. كان يستفزني مصطلح تعفن الدماغ، فلو سلّمنا جدلا بصحة الترجمة، لأصبحنا في خبر كان… فكيف السبيل لاستعادة ما تعفّن. وهذه الترجمة تدعو إلى التشاؤم وتثير الرعب في سامعها.
أما فساد العقل فهي أقل من سابقتها، ومن الوهلة الأولى تعطيك أملا أنك تستطيع إصلاح ما فسد ما استطعت إن حاولت.
بارك الله فيك، وبارك في هذا الدفتر القيّم النافع، ونفع به وبك.