اتخذتُ مضجعي، وأخذت أقلِّبُ في صفحات العَبَرات للمنفلوطي، فاجتذبتني مقالته «الحجاب»، وأدهشتني قصةُ صاحبه الذي آب من بلاد الإفرنج بغير الوجه والقلب اللذين ذهب بهما. لم تدهشني نَفسُ صاحبه ولا حاله، بل عجبتُ أن حاله في زمانه كأحوال كثيرٍ من أصحابنا في زماننا، فما أشبه اليوم بالأمس، بل اليوم شرٌّ منها وإنا لله وإنا إليه راجعون.
يعجز المرءُ عن تهذيب مقالات المنفلوطي أو نقلها بكلماتٍ غير كلماته، فالرَجُلُ قلمه فذٌّ وكلامه سهلٌ ممتنعٌ؛ فسأقطف من مقالته مقتطفًا واحدًا يجعلك تهرع إليها لتتم قراءتها إن كنت صاحبَ ذوق أدبي وسجية سليمة.
لقد كُنّا وكانت العفة في سِقاءٍ من الحجاب موكوء، فما زلتم به تثقبون في جوانبه كل يوم ثقبًا والعفة تتسلل منه قطرةً قطرةً حتى تَقَبَّضَ وتَكَرَّشَ، ثم لم يكفكم ذلك منه حتى جئتم اليوم تريدون أن تحلوا وكاءه حتى لا تبقى فيه قطرة واحدة!
قُلتُ:
أَمَنَعَ الحجابُ أمَّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- من تعليمها أعقل الرجال سُنَّةَ رسول الله ﷺ؟!
أحالَ الحجابُ دون تفقُّه فاطمة بنت الإمام مالك -رحمه الله- لمَّا كانت تنقر البابَ وهي في خِدرِها عندما تسمع طالبًا يخطئ في تلاوته الموطأَ على أبيها، فيفطن أبوها لتصويبه؟!
أصَدَّ الحجابُ هذه الفتاة التي في ربيعها الرابعَ عشرَ عن تفوُّقها على قريناتها، وإجادتها العربية والإنكليزية حتى إنها تتمنَّى أن تصير مُعلِّمةَ عربية للأعجميات؟!
وهذه المرأة التي أتقنت طرائق البحث واستعمال ما جدَّ من أدوات ذكية وطلب ما ينفعها من العلوم التي تعينها على تربية أبنائها وتعليمهم، هل شَلَّ الحجابُ أركانها فما استطاعت ذلك؟!
وتلك الطبيبة التي أَبَت أن تطبّب إلا النسوة.
وتلك الكاتِبة التي سخَّرت قلمها في خدمة أُمَّتها.
وغيرهن مِمَّن يعلم الله فيهن خيرًا.
ولم نعلَم أَبِيضٌ هنّ أم سُود؟ أممشوقاتٌ أم باللَّحمِ ممتلئات؟ أَجِعاد الشَعر أم سِباط؟ ولم نعلم رائحةَ الطِيب الذي يمسَسن في خدُورِهِن.
وإنما نعلم علم اليقين أن حجابهن لم يحجب عقولهن ولا قلوبهن ككثيراتٍ مِمَّن دونهن.
والسلام.
